عبد الله زارو

غلبةُ التعريف المعياري للعقل في الحقل الدلالي العربي الإسلامي، كان إذن عائقا أمام تبلور هوية إبستميمولوجية للعقل بصفته قابلية ذهنية وآليات لممارسة التفكير في القابل للتفكير هكذا بإطلاق.

يتعلق الأمر بعائق إبستمولوجي حقيقي صرَف النظر عن التفكير في العقل كأداة إلى إلباسه، دون دليل مقنع، جُبّة التشريع لما ينبغي فعله وما يتوجّب تركه. معنى ذلك أن هذه الهوية المعيارية التي أُفرغ فيها العقل، حكمتْ عليه أن يكون ماهويا لايُتقن إلا لغة الإفتاء في صيغ الأوامر والنواهي.

ولا ينبغي أن نستغرب لذلك، طالما أن تعريف العقل، في هذا السياق التداولي، كان محكوما بإبيستمي (معرفي) لاهوتي منذ المنطلق، فما كان له أن يتصوّر، اعتبارا لسقفه المعرفي الواطئ، أن العقل الخالص ، العقل بِما هو أداة لا معيارية للتفكير في المسائل المعيارية، يمكن أن يكون ضمن المُفكّر فيه.

بهذه القفزة السريعة إلى “عقل عملي” يتماهى فيه العقل، قسرا، مع القدرة البشرية المخصوصة على التمييز، بحسبانها حظوة و تميُّزا، التمييز بين المسموح به والممنوع، الحلال والحرام، وبكلمة عقل مُطابق للنقل بصفته حزمة نصوص للتطبيق لا للتأمل والتفكير، بهذه القفزة أخلف الموروث العربي الإسلامي موعده التاريخي مع عقله “الخالص”.

هذه الإنطلاقة للعقل في الحقل التداولي العربي الإسلامي، والتي جعلت منه سيفا بتّارا، فاصلا بين ظلمات الجهل وأنوار المعرفة اللدنيّة، تدفعنا إلى الإقرار بحقيقة مؤداها أننا صرنا ،منذ البدء، أمام جاهز، مع ما تعنيه الجاهزية في هذا الباب من صفات دوغمائية تعرقل انطلاقة العقل البشري بما هو قابلية و إطارا عام لممارسة التفكير. هكذا صرنا أمام عقل بهذه المواصفات العامة: عقل لاهوتي، ماضوي و منغلق.

- لاهوتي لأنه يقيس صحة “القابل للمعرفة” لا بمطابقته لمسعى فكري حر، بل بتطابقه مع مسلَّمات “المعقول النصي”.

- ماضوي لأنه غير مُتّجه نحو المستقبل بمجهولاته وغير مشدود للحاضر بمشكلاته المتجدّدة، بل مُتمحورا حول بؤرته الأولى، بؤرة الماضي، ماضي “العصر الذهبي” للمعرفة حيث الأجوبة عن كل شيء جاهزة ناجزة.

- منغلق لأنه يتمثّلُ نفسه منظومة مكتملة، منذ لحظة نشوئه في القرن السادس الميلادي. وهي منظومة لا تعترف إلا بأصل واحد تولّدت عنه نُسخ لا يمكنها أبدا، مهما حاولت، أن ترقى إلى مستواه، بل ولا أن تطمع حتى في أن تكون نسخه طبق الأصل، إذ هي مجرد “سيمولاكرات”، أي نسخا رديئة للأصل. تَجهدُ لمحاكاته دون أن تُفلح أبدا في ذلك، طالما أن الأصل غير بشري والنسخ المحاكية بشرية.

فأيُّ قدرة على الإستنساخ لابد أن تُفْهم على أنها قدرة على الخلق، وبالتالي على منافسة الخالق الأول “واجب الوجود بنفسه لا بغيره”، كما تقول عنه نظرية الفيض الشهيرة عند الفارابي، منافسته في القدرة على الخلق.

بمواصفاته هذه، لانرى مانعا ،في نعت العقل في صيغته العربية الإسلامية، بـ “العقل المستقيل”بدءا بحسب عبارة شهيرة معروفة عند عابد الجابري. فقد استقال، منذ نشأته، من التفكير في القابل للتفكير بإطلاق ليقنع بالمسموح بالتفكير فيه. وبذلك استبطن رقابته الذاتية منذ انطلاقته، وما ترتّب عن ذلك من تكاثر طابوهات الفكر في العقل العربي الإسلامي إلى يوم الناس هذا.

فلنتَّجه الآن صوب المرجعية الإغريقية، علّنا نجد تصورا أرحب وأوسع للعقل، يُتيح ممارسة مغامرة الفكر البشري بلا ضفاف وهي جوهر العقل الإنساني…(يتبع).

إرسال تعليق

 
Top