قطاع يحتضر، بلغت فيه نسب اللامبالاة أقصاها، وكل سنة يسجل تراجعا مخيفا، وفيات، أخطاء طبية، سوء الخدمات، غياب التجهيزات والآليات الأساسية، ضعف التكوين وقلة الأطر..
هذه خارطة الصحة بالمغرب، قطاع توليه الدول المتقدمة أهمية كبرى، ويعد مؤشرا هاما في تقييم تطور الدول، فيما لا تتجاوز ميزانيته محليا، سوى خمسة بالمائة من ميزانية الدولة.
فإلى أين يمضي هذا المجال الحيوي، ومعه حياة الملايين من المواطنين، الذين عاشوا مرارة الاستهتار داخل المؤسسات الاستشفائية والمرافق الصحية؟
حالات كثيرة لا تعد ولا تحصى من الأزمات، أبشعها تلك التي تضع حدا لحياة الأمهات أو المواليد الجدد، وحتى الشيوخ والشباب، ليكتفي المسؤولون وعلى رأسهم عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة، بالتأسف على ما يقع..
فمن يخرج الصحة بالمغرب من غرفة الإنعاش؟ سؤال بات لزاما الإجابة عليه باتخاذ الإجراءات اللازمة في حق المقصرين وإعادة النظر في سياسة هذا القطاع ككل.
الأمر ليس على سبيل الحصر ولا الاستثناء، فالانتظار والاحتضار، وسط أجواء تطبعها اللامبالاة وغياب الإنسانية، واحتمال الموت في أي لحظة، هي السمة التي تطبع جل المستشفيات والمراكز
الاستشفائية بالمغرب. الدخول إليها ليس بالأمر الهين، حيث تتردد على مسامعك جملة وحيدة موحدة “سير تخلص”، فقبل الأداء تكون لغتك وإن قدمت إلى هذه المرافق على نعش محمول، غير مفهومة، أداء واجب العبور يعد بمثابة شفرة تفك رموز ما تقوله، وتكون تأشيرة للولوج إلى الداخل لتبدأ مسلسلا آخر من جحيم “سير وأجي” بحثا عن من يسعفك أو يزيد من حدة ألمك.
“موريزكو” مقبرة الأحياء
تحيطه أسوار شاهقة، وَوُضعت على مدخله الرئيسي قضبان حديدية يحرسها رجال أمن خاص لا يتقنون سوى اللغط وصد كل محاولة، حتى الاستفسار عما يجب القيام به للنفاذ إلى داخل هذه المساحة الشاسعة التي تضم كافة “التخصصات”؟
بين الفينة والأخرى تسمع صراخا أو احتجاجا كثيرا ما يتطور إلى مشادات كلامية بين الحراس ومرافقي المرضى.
الزبونية لها دور أساسي هنا، فخلف شباك زجاجي صغير تقعد سيدة وهي تلتهم “سندويش” بطريقة هسترية، وقد صمت أذنيها عن العالم الخارجي، “عدنا موعد مع الدكتورة…”، “ماتنعرفهاش…” ليتضح العكس فور انتهائها من التهام ما بيدها “وقليها تعيط ليا ف116″ فور تلقيها المكالمة من الشخص المعني أصدرت أوامرها ليفتح لنا باب الدخول، غير ذلك الذي يمر منه بقية الوافدين على المكان. قرب البوابة، شاب بمعية والدته حاول بدوره الولوج إلى الداخل لكن دون جدوى، قادم من الفقيه بن صالح لمرافقة أخيه الذي التهمت النيران كافة جسده، فهو الذي يسهر على إطعامه وتغيير ملابسه، حاول أن يمر بمعيتنا عبر البوابة لكن سرعان ما منعه الحارس “باغين دوزو عليا الدكاكة، هذا ما معاكمش، ما تحنش في كحل راس”.
دخلنا المستشفى وتركنا خلفنا مواطنين متجمهرين على البوابة متمسكين بأمل المرور وعبور الحاجز الأمني.
عبر الممرات مرضى منهم من يتكئ على حائط، وآخرون فوق أسرة متنقلة ينتظرون أن يتم ذووهم الإجراءات الإدارية، أو أن يفرغ أحد الأماكن، ليلج الجناح المتخصص في علته، هنا كل فرد يتحمل مسؤوليته، رغم أنك في حضرة من أطلق عليهم في وقت سابق “ملائكة الرحمة”.
إلى قسم الولادة
الكل يرسم صورة قاتمة عن أقسام الولادة التي تواجه أغلبها تحديات الاكتظاظ، وعدم كفاية الموارد البشرية من أطباء وممرضين، ومحدودية الطاقة الاستيعابية، وانعدام التجهيزات الأساسية، وتتكلم نزيلات هذه الأماكن، التي تحبل بشتى الغرائب، بتذمر عن اختلالات هذه الأقسام بسبب غزو القطط لغرف التوليد التي يجب أن تكون نظيفة ومعقمة. ومظاهر المعاملة القاسية من قبل بعض الممرضات، تذهب إلى حد السب والشتم في بعض الأحيان.
جناح تلجه عشرات الحوامل يوميا، يوزعن على حوالي 6 غرف تضم كل واحدة ما يزيد عن 8 أسرة في ظروف مزرية تفتقر لأبسط التجهيزات الضرورية للأم والجنين.
ما إن تطأ قدماك ممر هذا الدهليز، حتى تتكسر خطابات وزارة الصحة ووعودها الكاذبة، حول المخطط الذي وضعته تحت شعار “ولادة بدون خطر” من أجل تحسين شروط الولادة وتخفيض نسبة وفيات الأمهات من 227 وفاة بين كل مائة ألف ولادة إلى 50 حالة وفاة، وخفض نسبة وفيات المواليد إلى 15 وفاة من بين كل مائة ألف…
وكل ما طُبل له حول تحسين أوضاع الولادة، وإعادة انتشار الموارد البشرية، تعميم مصالح الولادة في كل المستشفيات الجهوية في أفق عام 2012، توفير سيارات إسعاف جديدة، تجهيز الوحدات القروية بأجهزة التصوير بالأشعة، تطبيق مجانية الولادة سواء القيصرية أو الطبيعية، الاستشفاء الإجباري للأمهات مدة 48 ساعة بعد الولادة.
كلها توصيات بقيت حبرا على ورق، وعلى رأسها مجانية الولادة حيث أكد مصدر صحي لـ”مغرب اليوم” أنه يتم الأداء على الولادة الطبيعية بما قيمته 1000 درهم فيما تصل الولادة القيصرية إلى 2500 درهم وفي حال جلب الأم لورقة الاحتياج تؤدي 200 درهم فقط، مؤكدا أن لا مجانية في هذا المجال. هذه المبالغ لا تشفع لك عند الأطر العاملة بالجناح، حيث أن الإكراميات شرط أساسي لنيل المعاملة اللائقة من طرف الممرضين والمشرفين على المكان.
جحيم الجناح 30
داخل هذا “القفص” كما يلقبه المرضى تصادفك حالات تقشعر لها الأبدان، مصلحة أمراض الدماغ والأعصاب، مرفق يحتاج إلى تجهيزات عديدة وكفاءات عالية، لكنه لا يختلف عن باقي الأقسام، كما أوضحت “وـ ب” التي تفد على المكان منذ أزيد من 3 سنوات، مريضة مصابة بداء نادر اسمه “التصلب اللويحي” يحتاج إلى رعاية خاصة وعلاج مستمر، تحت إشراف خبراء حقيقيين، بحيث يبقى من الأمراض المستعصية في هذا الزمان، لكن “وـ ب” أكدت أن الأطباء المتدربين فقط مَن يشرف على الحالات المرضية، وفي كل مرة يكشف عليها شخص دون المتابعة عند نفس الطبيب، أما المسؤولة عن الجناح فلا تكلف نفسها عناء الكشف عن المرضى، وتتطلب رؤيتها 6 أشهر من الانتظار للحصول على موعد.
“هي خصها دوز لينا كل 3 أشهر وباش تشوفها خصك 3 شهر أخرى ديال الرونديفو، وحتى إلا دخلتي تتقرا غير الرابور لي كاتبو الطبيب وصافي وتتسولك واش خديتي “الأنترفيرون” وإلا ما خدتيهش تتجري عليك وتقول ليك ساعتك سالات”.
“الأنترفيرون” هو علاج باهظ التكلفة تصل قيمته إلى 12 ألف درهم، حسب نفس المصدر، والذي لا يمكن استعماله من قِبل المرضى إلا من يتوفرون على التغطية الصحية التي تعوض عن 96 في المائة من المبلغ الإجمالي.
“ناس بسطاء والدوا غالي، أنا ما بقيتش تنديرو” .. يقول أحد المرضى، وكبديل عن هذا العلاج المكلف يكتفي الأطباء بوصف أدوية مهدئة تصل قيمتها إلـى 700 درهم للقنينة الواحدة “تنشري 3 القراعي ومعاهم حتى البرا ديال السيروم حيث ما تيعطيوهاش لينا” يؤكد نفس المصدر..
معاناة المرض يُضاف إليها عناء التنقل، بحيث لا يتوفر الجناح على غرف لاستقبال المرضى المتوافدين من كافة أنحاء المغرب، “3 أيام ديال سير وأجي والبرا في يديك، لي عندهم شوية لفلوس تيديرو هذ المهدءات فالكلينيك ب 1000 درهم لليلة ولي معندوش راه تيتلاوح في سبيطارات المخزن، وحتى هنا ماشي فابور بورقة الاحتياج 200 درهم وإلا ما عندكش 1500 درهم” يقول أحد المرضى.
مستعجلات خارج التغطية
في هذه الرقعة الوضع أسوء بكثير، يصادفك في المدخل الرئيسي، مشهد مقزز ورائحة نثنة، وكأنك تدخل إسطبلا وليس قسم مستعجلات.. شخص في عقده الخمسين، مكسور اليد، يفترش قطعة بلاستيكية كبيرة ملطخة بالغائط، مما زاد من نثانة الرائحة، تحيط به أزبال وبقايا طعام وأشياء أخرى، بعد هذا المشهد قاعة الانتظار الأولى التي يسجل فيها المرضى لا تقل قذارة عن المدخل، بابها يحيلك مباشرة على قسم المستعجلات، هنا يلزمك قناع مزود بالأكسجين، حتى تتحمل البقاء داخل هذا الفضاء الذي تنتشر فيه جثت حية، ومرضى يحتضرون، أنين ألم صراخ يزيد الوضع حدة، ولا من يبالي بمعاناة هؤلاء.
“من 9 صباح وحنا هنا كل مرة سير جيب ورقة الخلاص، ومي تتموت”.. قالت شابة متحسرة على والدتها التي أصيبت بوعكة صحية وشلل على مستوى اليد اليمنى مضيفة: “وا بغينا غير الطبيب يشوفها وتقول هاذ الناس ما فقلوبهومش الرحمة”..
في زاوية أخرى زوجة تصرخ “الراجل مخشيا فرجلو حديدة أناس” .. لا أحد يبالي لنداء الاستغاثة هذا، وأخيرا حارس الأمن يدخل على الخط “فين ساكنين؟” “جينا من الحي الحسني” ليكتفي بالقول “نتوما ما تابعينش لينا سيرو لسبيطار لي حداكم”.
في البهو المقابل لمصلحة الكشف يرقد مرضى، واحد يده مبتورة والآخر وضع عليه غطاء من رأسه حتى أخمص قدميه، وآخرون بجروح و…. يصارعون الألم عل أيدي “الأطباء” تسعفهم قبل أن تصلهم سكرات الموت.
خرجنا من مقبرة الأحياء هذه، تاركين خلفنا مأساة حقيقية ومعاناة تعجز الكلمات عن وصفها، فهل مستشفياتنا هذه تشبه المستشفيات؟
* الصور المُرفقة مأخوذة من الإنترنيت عن مستشفيات مغربية متفرقة.
إرسال تعليق